الجاحظ
36
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
المحكك « 1 » ، وإن كان النبي صلّى اللّه عليه وآله قد قال : « إياي والتشادق » ، وقال : « أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون » « 2 » ، وقال : « من بدا جفا » ، وعاب الفدادين والمتزيدين ، في جهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق ، ورحب الغلاصم وهدل الشفاه ، وأعلمنا ان ذلك في أهل الوبر أكثر ، وفي أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري « 3 » ، فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي . فالحصر المتكلف والعيي المتزيد ، ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده . وهو أعذر ، لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى . فمن أسوأ حالا - أبقاك اللّه - ممن يكون ألوم من المتشدقين ، ومن الثرثارين المتفيهقين ، وممن ذكره النبي صلّى اللّه عليه وآله نصا ، وجعل النهي عن مذهبه مفسرا ، وذكر مقته له وبغضه إياه . [ لثغة واصل بن عطاء وأخباره ] ولما علم واصل بن عطاء « 4 » أنه ألثغ فاحش اللثغ ، وإن مخرج ذلك منه شنيع ، وأنه إذا كان داعية مقالة ، ورئيس نحلة ، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل ، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ، ومن الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة ، وإلى ترتيب ورياضة ، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة ، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق ، وتكميل الحروف وإقامة الوزن ، وإن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة ، كحاجته إلى الجزالة والفخامة ، وإن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب ، وتثنى به الأعناق ، وتزين به المعاني ، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام ، واللسان
--> ( 1 ) المحكك : المنجذ ، الذي جرب الأمور وعرفها . ( 2 ) المتفيهقون : الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم ، مأخوذ من الفهق ، وهو الامتلاء والاتساع . ( 3 ) المدري : الحضري ، ومباني أهل الحضر بالمدر ، وهو قطع الطين اليابس . الوبري : ساكن البادية ، والبدو يتخذون بيوتهم من الوبر . ( 4 ) واصل بن عطاء : مؤسس مذهب الاعتزال ، خالف الخوارج والمرجئة في حكم مرتكب الكبائر ، وقال إنه ليس كافرا ولا مؤمنا بل فاسق ( المنزلة بيت المنزلتين ) . عاش بين سنتي 80 - 181 ه .